سلط الدكتور نزار بريك هنيدي في محاضرته بعنوان “من ملامح الحداثة في شعر الدكتور علي الناصر” على الدور الريادي لهذا الشاعر في الحركة الشعرية السورية المعاصرة ودوره في تجديد شكل القصيدة.

وبين هنيدي في محاضرته التي ألقاها بالمركز الثقافي في مدينة جرمانا بمناسبة ذكرى رحيل الشاعر الناصر أن الأخير لعب دورا مهما في حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر مبينا أن قصيدته الطويلة “قصة قلب” التي صدرت عام 1928 شكلت بدءاً لهذه الحداثة في الشعر السوري.

وأوضح هنيدي أن التجديد عند الناصر في هذه القصيدة تجاوز الطريقة القديمة إلى التنويع في استعمال البحور المتعددة والدمج بينها وتلوين الإيقاعات واستثمار طرائق نظم الموشحات والتقفية الداخلية وتوزيع المقاطع في بناء فني متماسك يطرح شكلاً جديداً يتميز عن الشكل التقليدي للقصيدة ذات الشطرين التي كانت سائدة بين شعراء تلك المرحلة مستشهدا بقوله:

“قد أسرع العاشق كالمسلوب     للغاب يستفتي إله الفجر يا ناشر

الألوان يا مجلي الدجى            يا موقظ الأزهار يا موحي الرجا للقلوب “.

واستعرض هنيدي المجموعات الشعرية للشاعر الناصر بدءاً من مجموعة “الظمأ” التي أصدرها عام 1931 لافتا إلى أن الشاعر سعى لتجديد إيقاع البيت الخليلي باستخدام نظام جديد للتقفية الداخلية وتقطيع البيت بحيث يخلق حالة إيقاعية لا تشبه في شيء الإيقاع الرتيب الذي اعتدناه في القصيدة التقليدية مستشهدا بنصه “الخيال” حيث قال :

 “ما وراء الغيوم  ما وراء الخيال   ما وراء النجوم  سحت بالخيال “.

مسعى الشاعر الناصر للتجديد قاده إلى ما سماه هنيدي تحطيم البيت الشعري التقليدي الذي يقوم على عدد متكافئ من التفعيلات في كل شطر باعتماد السطر الشعري الذي يتضمن عدداً مختلفاً من التفعيلات في كل دفقة شعرية حسبما تقتضيه الحالة الشعورية ويستلزمه المناخ الإيقاعي للنص بأكمله مبينا أن هذا التجديد تتطلب من الناصر إعادة النظر في مفهوم “القافية” وتوزيعها ودورها وهذا ما نجده في قصيدته “إلى أم كلثوم” التي يقول فيها:

 “وأما شعوري   فأفق جديد تجلى علي غريب أثار بروحي الخيال”.

بالإضافة إلى ذلك فإن ديوان “الظمأ” حسب هنيدي تضمن عدداً من التجارب الفنية المهمة مثل الانتقال في القصيدة الواحدة بين المقاطع الموزونة والمقاطع النثرية التي تعتمد الإيقاع الداخلي وإضافة مقاطع لا هدف لها إلا نقل الإيقاع المجرد الذي يغني البناء الموسيقي العام للنص.

وتطرق المحاضر إلى مجموعة النصوص النثرية التي تركها الناصر والتي تسيطر عليها نزعة رومنسية طاغية تشي بتأثره الصريح بجبران خليل جبران إضافة إلى مجموعة من النصوص القصيرة التي تستوفي شروط ومواصفات الجنس الأدبي الذي اصطلح على تسميته ب”قصة القصيرة جداً”.

وتحدث هنيدي  حسب سانا عن الأعمال الأدبية التي تركها الناصر منها كتابه “البلدة المسحورة” الذي أصدره عام 1935 وهو رواية خيالية سار فيها على نهج أبي العلاء المعري في “رسالة الغفران” حيث نجد أن الناصر تحول فيها عن الأجواء الرومانتيكية إلى العوالم الملحمية مشيرا إلى وصف الرواية من قبل الناقد محمد جمال الباروت بأنها تمثيل المناخ الملحمي في الشعر المنثور.

وتناول المحاضر كتاب سريا ل الذي أصدره الناصر عام 1947 بالاشتراك مع الشاعر “أورخان ميسر” والذي عدته الشاعرة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي بأنه “أكثر التجارب الشعرية الرائدة تطرفاً في الشعر الحديث في نهاية الأربعينيات قبل حركة الشعر الحر”.

يشار إلى أن الشاعر علي الناصر من مواليد حماة سنة 1896 درس المرحلة الثانوية في دمشق وتخرج طبيبا من الكلية الطبية العسكرية في استنبول عام 1917كما سافر إلى باريس للتخصص بالأمراض الجلدية والزهرية ثم عاد إلى مدينة حلب ليزاول فيها مهنته كطبيب متخصص بالأمراض الجلدية حتى وفاته جراء جريمة قتل ارتكبها مجهول في عيادته سنة 1971.

سيريا ديلي نيوز ثقافة وفن


التعليقات