شاعر و فنان تشكيلي فلسطيني جعل من المقاومة و التراث مناراً له  فأصبحت كلماته و لوحاته تنطق بلسان الأرض الفلسطينية و تعبر عن الكفاح و النضال الفلسطيني .

دخل في ثنايا و تفاصيل الأرض الفلسطينية و لم تكن عنده مجرد أسماء بل روحاً تنبض بالحياة فغاص في جذور التاريخ ليسمي كل قطعة أرض باسمها .. تربى على أصوات الأهازيج و أغاني الحصادين و تشرب المقاومة من تراث الشعب الفلسطيني الغني بأمثلة كثيرة عن المقاومة و النضال ليعبر عن مقاومته بشعره و لوحاته بعد أن صفي دوره في المقاومة المسلحة....

 1 - الشاعر والفنان المقاتل خالد أبو خالد ماذا عن بداياتك مع الشعر والفن التشكيلي وأيهما كان أولا ؟

بداياتي في الشعر بدأت مع الشعر الشعبي الفلسطيني الذي مجد البطولة و الشهادة ، ومجد هذا الكفاح العظيم لشعبنا و سجل أهدافه ، و أنا وعيت في القرية على الأهازيج وعلى احتفالات الناس في المواسم، و بالتالي أيضاً وعيت على أمي و هي تغني لي ووعيت على أغاني الحصادين و البناء و الأعراس و على تلاويح المآتم النسائية و الرجالية ،هذا كله طبع في ذهني الإيقاع و أن الناس تستجيب للأغاني و عندما غادرت القرية و كان عمري خمسة سنين إلى كلية النجاح الوطنية بنابلس حيث تعرفت هناك على الشهيد العظيم عبدالرحيم محمود و كان رفيق والدي في ثورة الثلاثينات و كان ممن لجؤوا إلى بغداد عام  1939و الذين شاركوا في ثورة رشيد عالي الكيلاني مع عدد من المناضلين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى بغداد بعد إلحاق الهزيمة بالثورة 1939 و كان هذا الرجل (أبي الثالث( أبي الأول أبو خالد الشهيد القسامي الذي كان ضمن المجموعة التي فجرت ثورة الثلاثينات و استشهد في معركة دير غساني عام 1938 الأب الثاني كان جدي لأمي الذي كان شيخاً معمماً و خريج المدرسة الشرعية بنابلس و كان لديه مدرسة كتاب بنابلس و كان يأخذني صباح كل جمعة و كل عيد إلى المكان الذي دفن فيه والدي و عدد من الشهداء و كان يقول لي دائماً إن الشهداء قبل أن تبزغ الشمس يسمعونك و يرونك فكنت أقرأ القرآن الكريم وأنشد الأناشيد الوطنية على ضريح الوالد.

و علمني جدي أن أنشد بدلاً من يا ظلام السجن خيم التي أنشئت لتمجيد شهداء عكا

 (يا ظلام القبر خيم       إننا نهوى الظلاما  )

(  ليس بعد القبر إلا        فجر مجدٍ يتساما )

ثم غادرت إلى نابلس و تعرفت إلى أبي الثالث عبد الرحيم محمود الذي كان شاعرأ مهماً في زمنه، و كان لاعب كرة قدم و سلة و هو مؤسس المسرح في كلية النجاح و كان قدوة للطلاب جميعاً في كل ما يقوم به و يفعله و كان يحول درس التاريخ أو اللغة العربية أو الجغرافيا إلى درس في الوطنية، و كان يستظهرنا من الشعر أشعار الحماسة تحديداً و في يوم من الأيام طلب مني أن ألقي قصيدة لعنترة و كنت ألقيها بطريقة و أنا أؤشر بيدي ما جعل أبناء المدينة يضحكون علي ،لكنه قال لهم هكذا يلقى الشعر و هكذا علمني كيف ألقي الشعر و كنا نقرأ قصائده  في بعض الصحف المصرية و هو القائل 

سأحمل روحي على راحتي                     و ألقي بها في مهاوي الردى

 فإما حياة تسرّ الصديق                           وإما ممات يخيف العدا

 

و قرر عبد الرحيم محمود عندما بدأت الأحداث في فلسطين أن يدرب بعض الطلاب على الكفاح المسلح، فلم يكن لدينا في كلية النجاح أي بندقية و كان لدينا البنادق الخشبية الخاصة بالمسرح فحملّهم البنادق الخشبية الخاصة بالمسرح ،و بدأ يدربهم على النظام المنضم ثم استعار مسدساً من النجّادي الفلسطيني و كان منظمة وطنية فلسطينية واستعار رشاشاً من منظمة الفتوة الفلسطينية ،وبدأ يعلمهم الفك و التركيب ثم غادرنا مع بعض الطلاب و التحق بالكلية الحربية في سورية و التحق بجيش الانقاذ و هؤلاء هم مؤسسي جيش التحرير الفلسطيني.

وهنا لا بد من التنزيه إلى أن الشاعر الشعبي هو الأقدر على التوصيف و التعبير لأنه يتحدث بلغة الناس العاديين الشاعر الذي يكتب بالفصحى هو أيضاً يأخذ  من وجدان الناس و يعيد إلى وجدان الناس، لكنه ليس الأقدر على التوصيف إلا في حالات المد الثوري، في حالات المد الثوري يستطيع أن يوصل قصيدته ،الأغنية تستطيع أن تصل من الشاعر الشعبي في كل الظروف حتى في حالات الجزر الثوري تستطيع أن تصل ، و بالتالي أنا أحيي الشاعر الشعبي لأدائه التاريخي منذ نوح إبراهيم حتى الآن  ،هؤلاء استطاعوا أن يصلوا إلى الشعب ،أكثر من مناهج القصيدة الحديثة أو الفصيحة, وهذا مهم جداً لأن هذا يحفظ للشعر قاموسه ،و بالتالي يقدم للمثقف المتلقي زاداً لكي يخزنه من أجل أن يخاطب المراحل القادمة من المتلقين أو الشعراء، و هذا القاموس الذي أوجده الشاعر الفلسطيني  يجب أن نحافظ عليه دائماً مثل أسماء الأراضي يقال إن الأرض الفلسطينية "تفرق بالشبر " فهناك أرض اسمها "حجر النص "و أرض اسمها "بيت مرعي" و هناك أرض اسمها كذا ، كل هذه الأراضي متجاورة و هي لم تشكل أسماء فقط بل هي روح، و بالتالي لابد أن نمجد هذه الروح التي سمت الأرض الفلسطينية بمسمياتها فالأرض الفلسطينية متعددة الأسماء و لا يكفي أن نقول هي أرض فلسطين كاملة بل يجب أن نغوص في جذور التاريخ لنقول إن هذه الأرض في المكان الفلاني اسمها كذا و في المكان الآخر اسمها كذا ، و أذكر عندما كرمت في قريتي بصدور مجموعتي العوديسا و طلبوا مني أن أخاطبهم عبر الهاتف ،فخاطبتهم و تكلمت عن أسماء الأرض حول القرية فتحول المكان كله بالحاضرين إلى حالة من البكاء ،هل يعقل أن أبو خالد لم ينس بعد هذه الأسماء رغم هذه الغربة الطويلة ،لا أستطيع أن أنسى و علينا جميعاً ألا ننسى لأن هذه الأرض مقدسة و عندما نسمي متراً من الأرض باسمه لا تستطيع أن تتنازل عنه ،و لكن عندما تدخل في الغامض فإنك تدخل في التجريد و فلسطين ليست حالة تجريدية إنها حالة في منتهى الواقعية تضخ دماً و تستقبل دماً و هي على موعد مع دم كثير قبل أن تتحرر.

2 -  من النكبة إلى النكسة  إلى أيلول إلى اجتياح بيروت إلى الخروج من بيروت .. إلى ... إلى ..إلى كل ما تعرضنا له من مآسي .. هل تعب شاعرنا وفناننا من الترحال طبعا الترحال الفكري قبل الجسدي , وماذا تحمل الذاكرة من هذه الأيام؟

أولاً لم أكن موافقاً على مصطلح النكسة لأن النكبة كان لها امتداد فيما سمي بالنكسة فالنكسة لم تكن نكسة بل كانت نكبة أخرى و حلقة من سلسلة حلقات تصفية القضية الفلسطينية كما هي قرارات الأمم المتحدة كقرار التقسيم و قرار العودة  فقرار التقسيم هو حلقة من حلقات التآمر و أذكر أن أول مظاهرة قامت في فلسطين كانت في مدينة نابلس و قادها الشهيد عبد الرحيم محمود موضوع القرار الذي يتحدث عن عودة الشعب الفلسطيني إلى منازله شرط أن يكون على علاقة جيدة مع القوات الغازية الصهيونية فهذا كان حلقة من سلسلة التآمر و جرى العرف على القول  إن الشعب الفلسطيني رفض هذا القرار لكن الذي رفض هذا القرار هو العدو الصهيوني، و الشعب الفلسطيني  لم يعلن رفضاً لهذا القرار بمقدار ما أعلن مواصلته الكفاح و لو بالأمل عام 1948 و أذكر جيداً أن الناس كانوا يعون طبيعة المؤامرة و المثقفون أيضاً و بالتالي لا يمكن القول إن الشعب الفلسطيني رفض أي حل و الحل الوحيد الذي كان مطروحاً عليه أن يصفى،  و بالتالي الشعب الفلسطيني لم يرفض بالصوت العالي لكنه رفض بالممارسة لأن الشعب الفلسطيني شعب مقاوم و مجموع هذا الشعب المقاوم هو الذي رفض كل اقتراحات تصفية القضية الفلسطينية على حسابه فما معنى أن تعود و تقيم علاقة حسنة مع جارك الغازي هذا يعني أنك تقبل هذا الغازي فأنا أبنائي يحملون جنسيات أجنبية لم أوافق مطلقاً و لو لمرة واحدة أن يذهبوا بتأشيرة العدو الصهيوني إلى فلسطين  هذه فلسطين لناو نحن تعرضنا لمؤامرة كونية كبرى بدأت قبل وعد بلفور و تواصلت و تتواصل حتى الآن و علينا أن نعي أن حل الدولتين المطروح ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني و هدفه تصفية القضية الفلسطينية فلسطين لنا و فلسطين لاتقبل القسمة و عشنا فيها ما يزيد على أربعة عشر قرناً إذا اعتبرنا الإسلام أربعة عشر قرناً لكننا أيضاً عشنا فيها تاريخياً منذ الكنعانيين.

3 - في ظل ما تعرضنا له من نكسات وما آلت إليه الأمور جراء أوسلو مرورا بمؤامرة ( الربيع العربي ) والهجمة الشرسة على سورية وما يجري فيها , كيف ترى الدور الذي يجب أن يقوم به المثقف الفلسطيني للدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية  والمحافظة على الثوابت الفلسطينية؟

على المثقف الفلسطيني دائماً أن يكون صانعاً لهذا الدور و لا ينتظر من أحد أن  يصنعه له و أن يصنع دوره بإنتاجه ،أن يبني اتحاداته النقابية على أسس صحيحة و سليمة بدون  شروط المحاصصة و أسلوب "الكوتات" و أن يستلهم دائماً نضالات شعبه وأن يقول ما يمليه عليه ضميره دون أن يخشى في الحق لومة لائم، و للأسف منظمة التحرير همشت دور المثقف الفلسطيني و الثقافة و لم تدعمه، و نحن في اتحاد الكتاب و الصحفيين الفلسطينيين على سبيل المثال و أنا نقابي منذ أن صفي دوري في الكفاح المسلح منذ حوالي 45 سنة أنا ماضِ لكي أؤسس  و أبني اتحاداً حقيقياً لكن المعوقات الكبيرة في ساحتنا الفلسطينية جعلت هذا الدور للاتحاد محدوداً  لأن اتحاد بدون دعم حقيقي بمعنى أنه يمكن أن يكون كفصيل محارب يمكن أن ينشئ مؤسسساته و يقوم بدوره ،لا يمكن إلا أن يكون تأثيره محدوداً و بالتالي يصبح دور المثقف الفرد كبيراً إذا تسلح بروح الأنبياء ،بروح من لا يطلب شيئاً و يعطي أشياءً بروح من هو قادر على تقديم التضحية كما فعل غسان كنفاني على سبيل المثال، و عليه أن يتحصن  بما ورث من روح النضال من شعبه و أن يتحصن بما راهن من روح النضال في شعبنا و أن يتحصن بما لديه هو و ما حصّله من هذه الروح في روحه.

4 - كما شعرك المقاوم وأعمالك الفنية التي تحمل عبق الوطن , فهما يحملان أيضا  روحاً تراثية فما أهمية الشعر في المحافظة على التراث و العادات و التقاليد وخاصة بعض الفرق الفلسطينية لحنت  مجموعة من قصائدك الشعبية , ما أهمية تحويل الشعر إلى أغانٍ وطنية ترددها الأجيال؟ 

هذا مهم جداً و يجب أن يتحول الشعر إلى أغانٍ وطنية و حتى الشعر الفصيح يجب أن يتحول إلى أغانٍ وطنية إذا توفرت المؤسسة القادرة على تبني هذا الشعر فإنه يستطيع أن يصل إلى الناس  لأن الإيقاع في دم الناس و الإيقاع موجود في الطبيعة ، و الناس عاشوا الطبيعة و يعيشونها و بالتالي لا يمكن إلا أن يكونوا مع الإيقاع ،فتحويل أي قصية إلى إيقاع غنائي يعني أنك تدفع هذا الكلام للوصول إلى المتلقي و بالتالي تدفع هذا المتلقي للقيام بدوره في الحياة الكفاحية لشعبنا الفلسطيني.

 وحتى الآن استطاعت جهود فردية و جهود جمعية قليلة جداً أن تؤسس للمحافظة على هذا الموروث من تراث و صناعات يدوية إلى تراث الأغاني و المباني ،فأنا أتمنى أن أقرأ دراسة تتحدث عن البيت الفلسطيني  مم يتكون و كيف بني،  في مواجهة هذه العمارة التي تغزو المنطقة كنوع من الغزو الثقافي ،صحيح أن الثورة الفلسطينية من خلال جمعية الهلال الأحمر استندت إلى موضوع التطريز كثيراً و كان هذا عملاً إيجابياً لكنه لم يكن كافياً الأغنية ،المسرح الغنائي ،الأشغال اليدوية، التشكيل ،كل هذا بحاجة إلى مؤسسة قادرة على أن تضمها جميعها لتصبح أشبه بأوركسترا كل يكمل دور الآخر خصوصاً بأن هناك تداخل فنون سواء بالتراث القديم أو في التراث المعاصر و ليس هناك فن مستقل بذاته.

 

5 ــ إلى أي حد استطاع الشعر والفن الفلسطيني أن يتلمس هموم الناس و يعبر عنها , وما العلاقة بين اللوحة و القصيدة عند خالد أبو خالد وأين تجد نفسك بالنسبة للفن التشكيلي ومن أين تستوحي فكرة لوحتك ولماذا لم تطرح أعمالك الفنية في معرض خاص بك وبالتالي ما العلاقة بين اللوحة والقصيدة؟

تؤثر بي الأحداث في الفن التشكيلي  فأنا بعد معركة غزة رسمت مجموعة من اللوحات ،ومنها آخر صورة عائلية لعائلة فلسطينية تحت الركام .فبيكاسو مجد قصف قرية من قرى إسبانيا بلوحة معلقة الآن في الأمم المتحدة .هذه القرية لم تقدم من التضحيات ما قدمه الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل من النضال و الكفاح فتصور أن لوحاتنا نحن لا يقتنيها أحد و لا يشتريها أحد و لا يحملها أحد ، بينما لوحة الحمامة لبيكاسو تجول العالم لأن هناك من قرر أن يحمل هذا الفنان إلى العالمية فالفنان بحاجة إلى استقرار مادي و معنوي لكي يستطيع أن ينجز عمله وبالنسبة للعلاقة في المفردات لكل حالة مفرداتها ،و لا يمكن أن نقول إن هذه اللوحة هي صورة شعرية لهذه القصيدة، إذاً هناك خطان متوازيان يلتقيان عند التقاطع فقط بأن هذه تعبر عن الكفاح الفلسطيني و هذه تعبر عن الكفاح الفلسطيني و لكنهما ليسا صورة واحدة.

 وقد استطاع الشعر والفن التشكيلي رغم أن بعض شعرائنا وفنانينا غادروا شعر وفن المقاومة و تحت فلسفات مختلفة و لكنني أقول إن الشعر والفن الفلسطيني استطاع أن يعبر عن هموم الشعب الفلسطيني و لكن السؤال هل وصل؟..! لكي يصل لابد من وجود أدوات لتوصيله هذه الأدوات ليست الكتابة فقط لكنها الأغنية و المسرحية و الأمسيات الجماهيرية والمعرض التشكيلية يجب أن تعود إلى حالات المد الثوري.

6 ــ برأيك هل يساهم النقد الفني والأدبي في تقويم الحركة الثقافية , و هل يقوم بعمله بشكل مستقل وصادق بعيدا عن المراءاة و ( تمسيح الجوخ ) على الساحة الفلسطينية؟

هو يساهم ـ إن وجد ـ ولكن للأسف أننا لم نجد و مؤسف أننا لم نقرأ حتى الآن دراسة نقدية كاملة عن الشعر الفلسطيني ككل قرأنا دراسات عن بعض الشعراء و لكن عن الشعر بشكل عام  لم نقرأ حتى الآن دراسات وافية ومهمة ،لأنه بدون الدراسات النقدية يتحول الشاعر إلى ناقد مفرغ لقصيدته لأنه بدون النقد لا يستطيع أن يطور القصيدة ،و بالتالي نحن نحتاج إلى حركة نقدية لكن المشكلة أن الناقد شجاع كالشاعر و الشجعان قلة.

7 ــ  ما قبل أوسلو , ليس كما بعده  , ما هو رأيك  في من يدعو إلى التعايش مع الاحتلال , و هل وصلنا إلى مرحلة متقدمة من الإحباط  بعد اتفاقيات أوسلو والتنازلات المتتالية من قبل القيمين على سلطتنا الفلسطينية ؟

أقول بوضوح و بصراحة إن أسوأ مثقفي العالم هم مثقفو منظمة التحرير الفلسطينية هؤلاء الناس لم يكن أحد يتصور أن يخرج من منظمة التحرير مثقفين بهذه الضحالة و الرخص، و هؤلاء الناس مشغولون برضى الآخر عنهم ، و ما يكسبونه من جعالات يومية أو شهرية ،و بالتالي هؤلاء وقفوا إلى جانب المساومة على الحق الفلسطيني لأنهم ينطقون بلسان من يدفع لهم ،و قد دفع لهم الكثير أو القليل لكن هذا الفتات الذي دفع لهم لا يعني شيئاً للمثقف الصلب القادر على مواصلة دوره حتى لو جاع، لأن المثل العربي القديم يقول تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها، بمعنى لا ترضع طفلاً بثدييها وليس لتتحول إلى مومس فكيف إذا تحول المثقف إلى مومس ،و تحول إلى مبشر للتعايش مع العدو الصهيوني الذي ينتهك أرضه و عرضه وسماءه و ماءه ،و ينتهك كل شيء في مقدساته فكيف يمكن أن تتعايش مع من يهدم القدس و يستوطن فيها و كيف يمكن أن تتعايش مع من أباد قرى بأكملها و حولها إلى لاشيء مثل إجزم و جبع و عين غزال و غيرها من القرى التي أبيدت بعد الغزو عام 1948 هذا الموضوع لا يمكن تصوره هذا الغازي عليه أن يرحل لأن هذه أرضنا و بالتالي هؤلاء المثقفون تعودوا أن يكونوا في هامش الثورة و استمروا في هامش الثورة، و انتقلوا إلى هامش العدو الصهيوني و العدو الصهيوني لن يعتبرهم شيئاً، و ينتهي دورهم و يرفضهم كما رفض غيرهم ،و هؤلاء المثقفون غير قادرين على التأثير في الآخرين و مصيرهم مزبلة التاريخ. 

8 ــ  هناك تغييب  للمشهد الثقافي الفلسطيني بشكل عام ما هو السبب وهل استطاعت بعض الملتقيات الثقافية القليلة أن تصل إلى وجدان الشعب وتتلمس آلامه وآماله؟

للأسف مشهدنا الثقافي الفلسطيني ليس بالمستوى المطلوب ، لأنه بحاجة إلى دواعم لكي يكون قادرأ على التأثير، فمثلاً نحن نقيم في الاتحاد مسابقة في القصة أو الشعر وسامحني على التعبير بأننا نتسول مكافاة لهؤلاء القاصين الجدد أو الشعراء الجدد و ليس هناك ميزانية دائمة لتنمية هذه الظاهرات التي يجب أن يكون فيها الجيل قادرأ على تسليم علمه إلى الجيل الآخر .الثقافة تنمية و ليست مسألة معلقة بالثراء و بدون تنمية للثقافة لا نستطيع القيام بذلك ،أما هذه التنميات الموسمية و المرحلية فهي مجدية إلى حد بسيط جداً و لكن ليس إلى المستوى الذي يحولنا إلى حداثة.

9 ــ  ماذا عن بيسان الكاتبة والشاعرة فهل المورثات لها علاقة بالكتابة .. ؟

أنا أعتقد بأن المورثات لها علاقة دائماً ،لكن المعرفة المكتسبة هي الأساس فأنا موهوب إذا استطعت أن اعمل على نفسي، فأنا أستطيع أن أطور موهبتي أنا موهوب ولا اعمل على نفسي فلا أستطيع أن أطور هذه الموهبة , وبيسان كان لديها ها الاستعداد ربما الفطري لتكون كما هي الآن وطورت موهبتها بالاطلاع والثقافة من خلال قربها مني.

ببلوغرافيا الشاعر

ولد خالد محمد صالح أحمد المعروف باسم (خالد أبو خالد) في سيلة الظهر/ جنين عام 1973، التحق بكلية النجاح الوطنية بنابلس، ثم انقطع عن الدراسة، وتنقل بين عمان وسوريا والكويت حيث واصل دراسته في الكويت، وحصل على شهادة الثقافة العامة من ثانوية الشويخ، عمل في شركة نفط الكويت، ثم في الأذاعة الكويتية وتلفزيون الكويت، ثم إلى سوريا فعمل في إذاعة دمشق خلال العامين 1966-1968، وانتخب لدورتين متتاليتين للأمانة العامة لإتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ثم انتخب لأمانة سر فرع الاتحاد بسورية وهو محرر مجلة الكاتب الفلسطيني، وعمل رئيساً لقسم البرامج الثقافية والشعبية والمنوعات في إذاعة دمشق.

مؤلفاته:

1- فتحي- مسرحية- عمان 1969.

2- الرحيل باتجاه العودة - قصيدة طويلة- القاهرة 1970.

3- قصائد منقوشة على مسلة الأشرفية- مجموعة شعرية مشتركة- دمشق 1971.

4- وسام  على صدر الميليشيا- شعر- بيروت 1971.

5- تغريبة خالد أبو خالد- شعر- بيروت- 1972.

6- الجدل في منتصف الليل- شعر - دمشق 1973.

7- أغنية حب عربية إلى هانوي- شعر - بغداد 1973.

8- وشاهراً سلاسلي أجيء- شعر- بيروت 1974.

9- بيسان في الرماد- شعر- بيروت 1978.

10- أسميك بحراً، أسمي يدي الرمل- شعر- المغرب 1991.

11- دمي نخيل للنخيل - شعر 1994.

12- فرس لكنعان الفتى- شعر - دار الآداب 1995.

 13ــ العوديسا الفلسطينية شعر  2008

الشاعر والفنان التشكيلي الفلسطيني المقاتل خالد أبو خالد في حوار خاص.

اعداد وحوار:/ ابراهيم مؤمنة ـ راما قضباشي/

شاعر و فنان تشكيلي فلسطيني جعل من المقاومة و التراث مناراً له  فأصبحت كلماته و لوحاته تنطق بلسان الأرض الفلسطينية و تعبر عن الكفاح و النضال الفلسطيني .

دخل في ثنايا و تفاصيل الأرض الفلسطينية و لم تكن عنده مجرد أسماء بل روحاً تنبض بالحياة فغاص في جذور التاريخ ليسمي كل قطعة أرض باسمها .. تربى على أصوات الأهازيج و أغاني الحصادين و تشرب المقاومة من تراث الشعب الفلسطيني الغني بأمثلة كثيرة عن المقاومة و النضال ليعبر عن مقاومته بشعره و لوحاته بعد أن صفي دوره في المقاومة المسلحة....

 1 - الشاعر والفنان المقاتل خالد أبو خالد ماذا عن بداياتك مع الشعر والفن التشكيلي وأيهما كان أولا ؟

بداياتي في الشعر بدأت مع الشعر الشعبي الفلسطيني الذي مجد البطولة و الشهادة ، ومجد هذا الكفاح العظيم لشعبنا و سجل أهدافه ، و أنا وعيت في القرية على الأهازيج وعلى احتفالات الناس في المواسم، و بالتالي أيضاً وعيت على أمي و هي تغني لي ووعيت على أغاني الحصادين و البناء و الأعراس و على تلاويح المآتم النسائية و الرجالية ،هذا كله طبع في ذهني الإيقاع و أن الناس تستجيب للأغاني و عندما غادرت القرية و كان عمري خمسة سنين إلى كلية النجاح الوطنية بنابلس حيث تعرفت هناك على الشهيد العظيم عبدالرحيم محمود و كان رفيق والدي في ثورة الثلاثينات و كان ممن لجؤوا إلى بغداد عام  1939و الذين شاركوا في ثورة رشيد عالي الكيلاني مع عدد من المناضلين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى بغداد بعد إلحاق الهزيمة بالثورة 1939 و كان هذا الرجل (أبي الثالث( أبي الأول أبو خالد الشهيد القسامي الذي كان ضمن المجموعة التي فجرت ثورة الثلاثينات و استشهد في معركة دير غساني عام 1938 الأب الثاني كان جدي لأمي الذي كان شيخاً معمماً و خريج المدرسة الشرعية بنابلس و كان لديه مدرسة كتاب بنابلس و كان يأخذني صباح كل جمعة و كل عيد إلى المكان الذي دفن فيه والدي و عدد من الشهداء و كان يقول لي دائماً إن الشهداء قبل أن تبزغ الشمس يسمعونك و يرونك فكنت أقرأ القرآن الكريم وأنشد الأناشيد الوطنية على ضريح الوالد.

و علمني جدي أن أنشد بدلاً من يا ظلام السجن خيم التي أنشئت لتمجيد شهداء عكا

 (يا ظلام القبر خيم       إننا نهوى الظلاما  )

(  ليس بعد القبر إلا        فجر مجدٍ يتساما )

ثم غادرت إلى نابلس و تعرفت إلى أبي الثالث عبد الرحيم محمود الذي كان شاعرأ مهماً في زمنه، و كان لاعب كرة قدم و سلة و هو مؤسس المسرح في كلية النجاح و كان قدوة للطلاب جميعاً في كل ما يقوم به و يفعله و كان يحول درس التاريخ أو اللغة العربية أو الجغرافيا إلى درس في الوطنية، و كان يستظهرنا من الشعر أشعار الحماسة تحديداً و في يوم من الأيام طلب مني أن ألقي قصيدة لعنترة و كنت ألقيها بطريقة و أنا أؤشر بيدي ما جعل أبناء المدينة يضحكون علي ،لكنه قال لهم هكذا يلقى الشعر و هكذا علمني كيف ألقي الشعر و كنا نقرأ قصائده  في بعض الصحف المصرية و هو القائل 

سأحمل روحي على راحتي                     و ألقي بها في مهاوي الردى

 فإما حياة تسرّ الصديق                           وإما ممات يخيف العدا

 

و قرر عبد الرحيم محمود عندما بدأت الأحداث في فلسطين أن يدرب بعض الطلاب على الكفاح المسلح، فلم يكن لدينا في كلية النجاح أي بندقية و كان لدينا البنادق الخشبية الخاصة بالمسرح فحملّهم البنادق الخشبية الخاصة بالمسرح ،و بدأ يدربهم على النظام المنضم ثم استعار مسدساً من النجّادي الفلسطيني و كان منظمة وطنية فلسطينية واستعار رشاشاً من منظمة الفتوة الفلسطينية ،وبدأ يعلمهم الفك و التركيب ثم غادرنا مع بعض الطلاب و التحق بالكلية الحربية في سورية و التحق بجيش الانقاذ و هؤلاء هم مؤسسي جيش التحرير الفلسطيني.

وهنا لا بد من التنزيه إلى أن الشاعر الشعبي هو الأقدر على التوصيف و التعبير لأنه يتحدث بلغة الناس العاديين الشاعر الذي يكتب بالفصحى هو أيضاً يأخذ  من وجدان الناس و يعيد إلى وجدان الناس، لكنه ليس الأقدر على التوصيف إلا في حالات المد الثوري، في حالات المد الثوري يستطيع أن يوصل قصيدته ،الأغنية تستطيع أن تصل من الشاعر الشعبي في كل الظروف حتى في حالات الجزر الثوري تستطيع أن تصل ، و بالتالي أنا أحيي الشاعر الشعبي لأدائه التاريخي منذ نوح إبراهيم حتى الآن  ،هؤلاء استطاعوا أن يصلوا إلى الشعب ،أكثر من مناهج القصيدة الحديثة أو الفصيحة, وهذا مهم جداً لأن هذا يحفظ للشعر قاموسه ،و بالتالي يقدم للمثقف المتلقي زاداً لكي يخزنه من أجل أن يخاطب المراحل القادمة من المتلقين أو الشعراء، و هذا القاموس الذي أوجده الشاعر الفلسطيني  يجب أن نحافظ عليه دائماً مثل أسماء الأراضي يقال إن الأرض الفلسطينية "تفرق بالشبر " فهناك أرض اسمها "حجر النص "و أرض اسمها "بيت مرعي" و هناك أرض اسمها كذا ، كل هذه الأراضي متجاورة و هي لم تشكل أسماء فقط بل هي روح، و بالتالي لابد أن نمجد هذه الروح التي سمت الأرض الفلسطينية بمسمياتها فالأرض الفلسطينية متعددة الأسماء و لا يكفي أن نقول هي أرض فلسطين كاملة بل يجب أن نغوص في جذور التاريخ لنقول إن هذه الأرض في المكان الفلاني اسمها كذا و في المكان الآخر اسمها كذا ، و أذكر عندما كرمت في قريتي بصدور مجموعتي العوديسا و طلبوا مني أن أخاطبهم عبر الهاتف ،فخاطبتهم و تكلمت عن أسماء الأرض حول القرية فتحول المكان كله بالحاضرين إلى حالة من البكاء ،هل يعقل أن أبو خالد لم ينس بعد هذه الأسماء رغم هذه الغربة الطويلة ،لا أستطيع أن أنسى و علينا جميعاً ألا ننسى لأن هذه الأرض مقدسة و عندما نسمي متراً من الأرض باسمه لا تستطيع أن تتنازل عنه ،و لكن عندما تدخل في الغامض فإنك تدخل في التجريد و فلسطين ليست حالة تجريدية إنها حالة في منتهى الواقعية تضخ دماً و تستقبل دماً و هي على موعد مع دم كثير قبل أن تتحرر.

2 -  من النكبة إلى النكسة  إلى أيلول إلى اجتياح بيروت إلى الخروج من بيروت .. إلى ... إلى ..إلى كل ما تعرضنا له من مآسي .. هل تعب شاعرنا وفناننا من الترحال طبعا الترحال الفكري قبل الجسدي , وماذا تحمل الذاكرة من هذه الأيام؟

أولاً لم أكن موافقاً على مصطلح النكسة لأن النكبة كان لها امتداد فيما سمي بالنكسة فالنكسة لم تكن نكسة بل كانت نكبة أخرى و حلقة من سلسلة حلقات تصفية القضية الفلسطينية كما هي قرارات الأمم المتحدة كقرار التقسيم و قرار العودة  فقرار التقسيم هو حلقة من حلقات التآمر و أذكر أن أول مظاهرة قامت في فلسطين كانت في مدينة نابلس و قادها الشهيد عبد الرحيم محمود موضوع القرار الذي يتحدث عن عودة الشعب الفلسطيني إلى منازله شرط أن يكون على علاقة جيدة مع القوات الغازية الصهيونية فهذا كان حلقة من سلسلة التآمر و جرى العرف على القول  إن الشعب الفلسطيني رفض هذا القرار لكن الذي رفض هذا القرار هو العدو الصهيوني، و الشعب الفلسطيني  لم يعلن رفضاً لهذا القرار بمقدار ما أعلن مواصلته الكفاح و لو بالأمل عام 1948 و أذكر جيداً أن الناس كانوا يعون طبيعة المؤامرة و المثقفون أيضاً و بالتالي لا يمكن القول إن الشعب الفلسطيني رفض أي حل و الحل الوحيد الذي كان مطروحاً عليه أن يصفى،  و بالتالي الشعب الفلسطيني لم يرفض بالصوت العالي لكنه رفض بالممارسة لأن الشعب الفلسطيني شعب مقاوم و مجموع هذا الشعب المقاوم هو الذي رفض كل اقتراحات تصفية القضية الفلسطينية على حسابه فما معنى أن تعود و تقيم علاقة حسنة مع جارك الغازي هذا يعني أنك تقبل هذا الغازي فأنا أبنائي يحملون جنسيات أجنبية لم أوافق مطلقاً و لو لمرة واحدة أن يذهبوا بتأشيرة العدو الصهيوني إلى فلسطين  هذه فلسطين لناو نحن تعرضنا لمؤامرة كونية كبرى بدأت قبل وعد بلفور و تواصلت و تتواصل حتى الآن و علينا أن نعي أن حل الدولتين المطروح ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني و هدفه تصفية القضية الفلسطينية فلسطين لنا و فلسطين لاتقبل القسمة و عشنا فيها ما يزيد على أربعة عشر قرناً إذا اعتبرنا الإسلام أربعة عشر قرناً لكننا أيضاً عشنا فيها تاريخياً منذ الكنعانيين.

3 - في ظل ما تعرضنا له من نكسات وما آلت إليه الأمور جراء أوسلو مرورا بمؤامرة ( الربيع العربي ) والهجمة الشرسة على سورية وما يجري فيها , كيف ترى الدور الذي يجب أن يقوم به المثقف الفلسطيني للدفاع عن الأرض والحقوق الوطنية  والمحافظة على الثوابت الفلسطينية؟

على المثقف الفلسطيني دائماً أن يكون صانعاً لهذا الدور و لا ينتظر من أحد أن  يصنعه له و أن يصنع دوره بإنتاجه ،أن يبني اتحاداته النقابية على أسس صحيحة و سليمة بدون  شروط المحاصصة و أسلوب "الكوتات" و أن يستلهم دائماً نضالات شعبه وأن يقول ما يمليه عليه ضميره دون أن يخشى في الحق لومة لائم، و للأسف منظمة التحرير همشت دور المثقف الفلسطيني و الثقافة و لم تدعمه، و نحن في اتحاد الكتاب و الصحفيين الفلسطينيين على سبيل المثال و أنا نقابي منذ أن صفي دوري في الكفاح المسلح منذ حوالي 45 سنة أنا ماضِ لكي أؤسس  و أبني اتحاداً حقيقياً لكن المعوقات الكبيرة في ساحتنا الفلسطينية جعلت هذا الدور للاتحاد محدوداً  لأن اتحاد بدون دعم حقيقي بمعنى أنه يمكن أن يكون كفصيل محارب يمكن أن ينشئ مؤسسساته و يقوم بدوره ،لا يمكن إلا أن يكون تأثيره محدوداً و بالتالي يصبح دور المثقف الفرد كبيراً إذا تسلح بروح الأنبياء ،بروح من لا يطلب شيئاً و يعطي أشياءً بروح من هو قادر على تقديم التضحية كما فعل غسان كنفاني على سبيل المثال، و عليه أن يتحصن  بما ورث من روح النضال من شعبه و أن يتحصن بما راهن من روح النضال في شعبنا و أن يتحصن بما لديه هو و ما حصّله من هذه الروح في روحه.

4 - كما شعرك المقاوم وأعمالك الفنية التي تحمل عبق الوطن , فهما يحملان أيضا  روحاً تراثية فما أهمية الشعر في المحافظة على التراث و العادات و التقاليد وخاصة بعض الفرق الفلسطينية لحنت  مجموعة من قصائدك الشعبية , ما أهمية تحويل الشعر إلى أغانٍ وطنية ترددها الأجيال؟ 

هذا مهم جداً و يجب أن يتحول الشعر إلى أغانٍ وطنية و حتى الشعر الفصيح يجب أن يتحول إلى أغانٍ وطنية إذا توفرت المؤسسة القادرة على تبني هذا الشعر فإنه يستطيع أن يصل إلى الناس  لأن الإيقاع في دم الناس و الإيقاع موجود في الطبيعة ، و الناس عاشوا الطبيعة و يعيشونها و بالتالي لا يمكن إلا أن يكونوا مع الإيقاع ،فتحويل أي قصية إلى إيقاع غنائي يعني أنك تدفع هذا الكلام للوصول إلى المتلقي و بالتالي تدفع هذا المتلقي للقيام بدوره في الحياة الكفاحية لشعبنا الفلسطيني.

 وحتى الآن استطاعت جهود فردية و جهود جمعية قليلة جداً أن تؤسس للمحافظة على هذا الموروث من تراث و صناعات يدوية إلى تراث الأغاني و المباني ،فأنا أتمنى أن أقرأ دراسة تتحدث عن البيت الفلسطيني  مم يتكون و كيف بني،  في مواجهة هذه العمارة التي تغزو المنطقة كنوع من الغزو الثقافي ،صحيح أن الثورة الفلسطينية من خلال جمعية الهلال الأحمر استندت إلى موضوع التطريز كثيراً و كان هذا عملاً إيجابياً لكنه لم يكن كافياً الأغنية ،المسرح الغنائي ،الأشغال اليدوية، التشكيل ،كل هذا بحاجة إلى مؤسسة قادرة على أن تضمها جميعها لتصبح أشبه بأوركسترا كل يكمل دور الآخر خصوصاً بأن هناك تداخل فنون سواء بالتراث القديم أو في التراث المعاصر و ليس هناك فن مستقل بذاته.

 

5 ــ إلى أي حد استطاع الشعر والفن الفلسطيني أن يتلمس هموم الناس و يعبر عنها , وما العلاقة بين اللوحة و القصيدة عند خالد أبو خالد وأين تجد نفسك بالنسبة للفن التشكيلي ومن أين تستوحي فكرة لوحتك ولماذا لم تطرح أعمالك الفنية في معرض خاص بك وبالتالي ما العلاقة بين اللوحة والقصيدة؟

تؤثر بي الأحداث في الفن التشكيلي  فأنا بعد معركة غزة رسمت مجموعة من اللوحات ،ومنها آخر صورة عائلية لعائلة فلسطينية تحت الركام .فبيكاسو مجد قصف قرية من قرى إسبانيا بلوحة معلقة الآن في الأمم المتحدة .هذه القرية لم تقدم من التضحيات ما قدمه الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل من النضال و الكفاح فتصور أن لوحاتنا نحن لا يقتنيها أحد و لا يشتريها أحد و لا يحملها أحد ، بينما لوحة الحمامة لبيكاسو تجول العالم لأن هناك من قرر أن يحمل هذا الفنان إلى العالمية فالفنان بحاجة إلى استقرار مادي و معنوي لكي يستطيع أن ينجز عمله وبالنسبة للعلاقة في المفردات لكل حالة مفرداتها ،و لا يمكن أن نقول إن هذه اللوحة هي صورة شعرية لهذه القصيدة، إذاً هناك خطان متوازيان يلتقيان عند التقاطع فقط بأن هذه تعبر عن الكفاح الفلسطيني و هذه تعبر عن الكفاح الفلسطيني و لكنهما ليسا صورة واحدة.

 وقد استطاع الشعر والفن التشكيلي رغم أن بعض شعرائنا وفنانينا غادروا شعر وفن المقاومة و تحت فلسفات مختلفة و لكنني أقول إن الشعر والفن الفلسطيني استطاع أن يعبر عن هموم الشعب الفلسطيني و لكن السؤال هل وصل؟..! لكي يصل لابد من وجود أدوات لتوصيله هذه الأدوات ليست الكتابة فقط لكنها الأغنية و المسرحية و الأمسيات الجماهيرية والمعرض التشكيلية يجب أن تعود إلى حالات المد الثوري.

6 ــ برأيك هل يساهم النقد الفني والأدبي في تقويم الحركة الثقافية , و هل يقوم بعمله بشكل مستقل وصادق بعيدا عن المراءاة و ( تمسيح الجوخ ) على الساحة الفلسطينية؟

هو يساهم ـ إن وجد ـ ولكن للأسف أننا لم نجد و مؤسف أننا لم نقرأ حتى الآن دراسة نقدية كاملة عن الشعر الفلسطيني ككل قرأنا دراسات عن بعض الشعراء و لكن عن الشعر بشكل عام  لم نقرأ حتى الآن دراسات وافية ومهمة ،لأنه بدون الدراسات النقدية يتحول الشاعر إلى ناقد مفرغ لقصيدته لأنه بدون النقد لا يستطيع أن يطور القصيدة ،و بالتالي نحن نحتاج إلى حركة نقدية لكن المشكلة أن الناقد شجاع كالشاعر و الشجعان قلة.

7 ــ  ما قبل أوسلو , ليس كما بعده  , ما هو رأيك  في من يدعو إلى التعايش مع الاحتلال , و هل وصلنا إلى مرحلة متقدمة من الإحباط  بعد اتفاقيات أوسلو والتنازلات المتتالية من قبل القيمين على سلطتنا الفلسطينية ؟

أقول بوضوح و بصراحة إن أسوأ مثقفي العالم هم مثقفو منظمة التحرير الفلسطينية هؤلاء الناس لم يكن أحد يتصور أن يخرج من منظمة التحرير مثقفين بهذه الضحالة و الرخص، و هؤلاء الناس مشغولون برضى الآخر عنهم ، و ما يكسبونه من جعالات يومية أو شهرية ،و بالتالي هؤلاء وقفوا إلى جانب المساومة على الحق الفلسطيني لأنهم ينطقون بلسان من يدفع لهم ،و قد دفع لهم الكثير أو القليل لكن هذا الفتات الذي دفع لهم لا يعني شيئاً للمثقف الصلب القادر على مواصلة دوره حتى لو جاع، لأن المثل العربي القديم يقول تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها، بمعنى لا ترضع طفلاً بثدييها وليس لتتحول إلى مومس فكيف إذا تحول المثقف إلى مومس ،و تحول إلى مبشر للتعايش مع العدو الصهيوني الذي ينتهك أرضه و عرضه وسماءه و ماءه ،و ينتهك كل شيء في مقدساته فكيف يمكن أن تتعايش مع من يهدم القدس و يستوطن فيها و كيف يمكن أن تتعايش مع من أباد قرى بأكملها و حولها إلى لاشيء مثل إجزم و جبع و عين غزال و غيرها من القرى التي أبيدت بعد الغزو عام 1948 هذا الموضوع لا يمكن تصوره هذا الغازي عليه أن يرحل لأن هذه أرضنا و بالتالي هؤلاء المثقفون تعودوا أن يكونوا في هامش الثورة و استمروا في هامش الثورة، و انتقلوا إلى هامش العدو الصهيوني و العدو الصهيوني لن يعتبرهم شيئاً، و ينتهي دورهم و يرفضهم كما رفض غيرهم ،و هؤلاء المثقفون غير قادرين على التأثير في الآخرين و مصيرهم مزبلة التاريخ. 

8 ــ  هناك تغييب  للمشهد الثقافي الفلسطيني بشكل عام ما هو السبب وهل استطاعت بعض الملتقيات الثقافية القليلة أن تصل إلى وجدان الشعب وتتلمس آلامه وآماله؟

للأسف مشهدنا الثقافي الفلسطيني ليس بالمستوى المطلوب ، لأنه بحاجة إلى دواعم لكي يكون قادرأ على التأثير، فمثلاً نحن نقيم في الاتحاد مسابقة في القصة أو الشعر وسامحني على التعبير بأننا نتسول مكافاة لهؤلاء القاصين الجدد أو الشعراء الجدد و ليس هناك ميزانية دائمة لتنمية هذه الظاهرات التي يجب أن يكون فيها الجيل قادرأ على تسليم علمه إلى الجيل الآخر .الثقافة تنمية و ليست مسألة معلقة بالثراء و بدون تنمية للثقافة لا نستطيع القيام بذلك ،أما هذه التنميات الموسمية و المرحلية فهي مجدية إلى حد بسيط جداً و لكن ليس إلى المستوى الذي يحولنا إلى حداثة.

9 ــ  ماذا عن بيسان الكاتبة والشاعرة فهل المورثات لها علاقة بالكتابة .. ؟

أنا أعتقد بأن المورثات لها علاقة دائماً ،لكن المعرفة المكتسبة هي الأساس فأنا موهوب إذا استطعت أن اعمل على نفسي، فأنا أستطيع أن أطور موهبتي أنا موهوب ولا اعمل على نفسي فلا أستطيع أن أطور هذه الموهبة , وبيسان كان لديها ها الاستعداد ربما الفطري لتكون كما هي الآن وطورت موهبتها بالاطلاع والثقافة من خلال قربها مني.

ببلوغرافيا الشاعر

ولد خالد محمد صالح أحمد المعروف باسم (خالد أبو خالد) في سيلة الظهر/ جنين عام 1973، التحق بكلية النجاح الوطنية بنابلس، ثم انقطع عن الدراسة، وتنقل بين عمان وسوريا والكويت حيث واصل دراسته في الكويت، وحصل على شهادة الثقافة العامة من ثانوية الشويخ، عمل في شركة نفط الكويت، ثم في الأذاعة الكويتية وتلفزيون الكويت، ثم إلى سوريا فعمل في إذاعة دمشق خلال العامين 1966-1968، وانتخب لدورتين متتاليتين للأمانة العامة لإتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين ثم انتخب لأمانة سر فرع الاتحاد بسورية وهو محرر مجلة الكاتب الفلسطيني، وعمل رئيساً لقسم البرامج الثقافية والشعبية والمنوعات في إذاعة دمشق.

مؤلفاته:

1- فتحي- مسرحية- عمان 1969.

2- الرحيل باتجاه العودة - قصيدة طويلة- القاهرة 1970.

3- قصائد منقوشة على مسلة الأشرفية- مجموعة شعرية مشتركة- دمشق 1971.

4- وسام  على صدر الميليشيا- شعر- بيروت 1971.

5- تغريبة خالد أبو خالد- شعر- بيروت- 1972.

6- الجدل في منتصف الليل- شعر - دمشق 1973.

7- أغنية حب عربية إلى هانوي- شعر - بغداد 1973.

8- وشاهراً سلاسلي أجيء- شعر- بيروت 1974.

9- بيسان في الرماد- شعر- بيروت 1978.

10- أسميك بحراً، أسمي يدي الرمل- شعر- المغرب 1991.

11- دمي نخيل للنخيل - شعر 1994.

12- فرس لكنعان الفتى- شعر - دار الآداب 1995.

 13ــ العوديسا الفلسطينية شعر  2008

 

سيريا ديلي نيوز _ثقافة وفن _اعداد وحوار:/ ابراهيم مؤمنة ـ راما قضباشي/


التعليقات